مصطفى صادق الرافعي
71
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
الاجتماعية ، فإنه لم يجعل في أمرها على الناس هويداء ولا رويداء ، بل أمضاها وأعلنها ورفع من شأنها وجعلها من عزائمه ، حتى لا يشك فيها من عسى أن يشك في غيرها ، ولا يرتاب من ربما كانت الرّيبة من أمره ، وحتى أنه لما وصف النبي صلّى اللّه عليه وسلم بأبلغ الصفات وأشرفها وأسناها ، لم يزد على قوله : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . فكان الأصل الأول فيه لهذه الأخلاق هو ( التقوى ) « 1 » . وهي فضيلة أراد بها القرآن إحكام ما بين الإنسان والخلق ، وإحكام ما بين الإنسان وخالقه ولذلك تدور هذه الكلمة ومشتقّاتها في أكثر آياته القرآنية والاجتماعية ؛ والمراد بها أن ينفي الإنسان كل ما فيه ضرر لنفسه أو ضرار لغيره ، لتكون حدود المساواة قائمة في الاجتماع ، لا تصاب فيها ثلمة ولا يعتريها وهن : وكل ما أصاب الاجتماع من ذلك فإنما يصيب الدين بديّا . لأن هذه التقوى هي مصدر النية في المؤمنين باللّه ، فإذا اعتدوا ظالمين ولم يحتجزوا من أهوائهم وشهواتهم التي لا تألوهم خبالا ولا تنفك متطلعة منازعة ، فإنما ينصرفون بذلك عن اللّه ، ويغمضون في تقواه ويترخّصون في زجره ووعيده ، فكأنهم لا يبالونه ما بالوا أمر أنفسهم ، وكأن ضمير أحدهم إذا لم يحفل بتقوى اللّه لا يحفل باللّه نفسه ، وهو أمر كما ترى . يريد القرآن أن يكون المنبع الإنساني في القلب ، ثم أن يبقى هذا المنبع ما بقي صافيا ثرّا لا يعتكر ولا ينضب ، كأنما في القلب سماء ما تزال تمد له من نور وهدى ورحمة . وهذا الأصل - أصل المساواة - هو الذي كشفه القرآن بقوله عزّ وجلّ : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فانظر كيف أبان عن المساواة الطبيعية التي لا يملك بحال من الأحوال أن يفرق فيها الجنس الإنساني كله وهي الخلق من الذكر والأنثى ) : وكيف وصف الغاية الاجتماعية للناس شعوبا وقبائل بأنها ( التعارف ) ، لم يزد على هذه اللفظة التي لا تشذّ عنها فضيلة من فضائل الاجتماع قاطبة ولا تجد رذيلة اجتماعية يمكن أن تدخل في مدلولها ولن تجدها إلا منصرفة عنها في الغاية . ثم تأمل كيف أقام هذا الأساس الأدبي العظيم ، فجعل أكرم الناس المتساوين جميعا في الحالتين الفردية والاجتماعية ، هو أتقاهم ، أي أعظمهم خلقا ، لا أوفرهم مالا ، ولا أحسنهم حالا ، ولا أكثرهم رجالا ، ولا أثقبهم فهما ، ولا أعلمهم علما . ولا
--> ( 1 ) المراد بالتقوى ما نفصله هنا من معناها ، ولكن لما ضعفت الأخلاق الإسلامية بما ورثت من فساد الاجتماع واستبداد الملوك وظلم الرؤساء وصارت التقوى إلى معناها المتعارف ، وهو الذل والانكسار والزهد في الدنيا وشدة الخوف ، وما إليها مما هو فساد اجتماعي محض لا يجلب مصلحة ، ولا يدرأ مفسدة كأن اللّه لا رحمة له .